الغزالي
193
إحياء علوم الدين
وروي أن إسرافيل أستاذ ذي النون المصري ، دخل عليه رجل فرآه وهو ينكت في الأرض بإصبعه ويترنم ببيت ، فقال : هل تحسن أن تترنم بشيء ؟ فقال : لا ، قال : فأنت بلا قلب ، إشارة إلى أن من له قلب ، وعرف طباعه ، علم أنه تحركه الأبيات والنغمات تحريكا لا يصادف في غيرها ، فيتكلف طريق التحريك إما بصوت نفسه أو بغيره وقد ذكرنا حكم المقام الأول في فهم المسموع وتنزيله ، وحكم المقام الثاني في الوجد الذي يصادف في القلب ، فلنذكر الآن أثر الوجد أعنى ما يترشح منه إلى الظاهر من صعقة وبكاء ، وحركة ، وتمزيق ثوب وغيره فنقول : المقام الثالث من السماع نذكر فيه آداب السماع ظاهرا وباطنا ، وما يحمد من آثار الوجد وما يذم ، فأما الآداب فهي خمس جمل الأول : مراعاة الزمان والمكان والإخوان ، قال الجنيد السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع ، الزمان ، والمكان ، والإخوان ، ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام ، أو صلاة ، أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه ، فهذا معنى مراعاة الزمان ، فيراعى حالة فراغ القلب له ، وأما المكان : فقد يكون شارعا مطروقا ، أو موضعا كريه الصورة ، أو فيه سبب يشغل القلب فيجتنب ذلك ، وأما الإخوان : فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به ، وكذلك إذا حضر متكبر من أهل الدنيا يحتاج إلى مراقبته وإلى مراعاته أو متكلف متواجد من أهل التصوّف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثياب ، فكل ذلك مشوّشات ، فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى ، ففي هذه الشروط نظر للمستمع الأدب الثاني : هو نظر الحاضرين أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم ، فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر ، والمريد الذي يستضر بالسماع أحد ثلاثة أقلهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ، ولم يكن له ذوق السماع فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه ، فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ، ولا من أهل الذوق فيتنعم بذوق السماع ، فليشتغل بذكر أو خدمة ، وإلا فهو تضييع لزمانه